أخر الأخبار

الملاحظ TV

رأي افتتاحية

إستطلاع الرأي

ماهو رأيكم في التقسيم الجهوي ؟

جاري التحميل ... جاري التحميل ...

ملاحظ الرأي

إعلان

القائمة البريدية

إشترك في قائمتنا البريدية ليصلك جديد الموقع .

حمل تطبيق الملاحظ الجهوي

الرئيسية » السليدر » مقدمة في السرد التراثي العربي

مقدمة في السرد التراثي العربي

 

  • بقلم الاستاذ شحمي العربي

بمجرد ما يفكر الواحد في الحديث عن ” السرد ” مضاف إليه ” التراثي العربي ” إلا ويجد نفسه أمام أسئلة عديدة. لعل الأهم منها: هل الذين اهتموا بالسرد في الثقافة العربية القديمة فعلوا ذلك كما جاء واتفق، أم أن اهتمامهم ذاك كان محكوما بفهم معين للسرد ؟ 

وإذا سلمنا جذلا بأن اهتمامهم هذا كان محكوما بفهم ما للسرد، مثلما هو الأمر بالنسبة للذين اهتموا بالشعر في هذه الثقافة، أليس من المفيد والحالة هاته أن نتساءل عن هذا الفهم ؟

قد يبدو هذا التساؤل للوهلة الأولى غير ذي قيمة، لكن سرعان ما تظهر أهميته واضحة جلية، وبشكل خاص، عندما نأخذ في الاعتبار أن فهم السرد بالمعنى المتداول اليوم،  هو وليد الدراسات السردية الحديثة، التي لا هي من صلب ولا هي من ترائب ثقافتنا العربية القديمة، وإنما تسللت إلينا من ثقافة الآخر مثلما تتسلل إلينا قيمه وبضائعه وسلعه باستمرار. وقد تتضاعف هذه الأهمية عندما يكون ( كما هو شأن حالتنا ) أن المزمع البحث فيه تحديدا هو السرد الذي نما وترعرع في أحضان الثقافة العربية القديمة.

ولهذه الغاية، أرى من المناسب، كخطوة أولى، أن نطلع على المعنى الذي أعطاه لسان العرب للسرد، باعتباره ـ أي اللسان ـ يشكل مرجعية عربية صميمة. وبما هو كذلك، سيمنحنا الفرصة التي ستمكننا من الاقتراب لا محالة، من الفهم الذي كان متداولا للسرد في الثقافة العربية القديمة، وكخطوة ثانية،  سنحاول أن نستفهم البعض ممن اهتموا بالسرد، حول المعنى الذي فهموا به هم أيضا، هذا اللون من الإبداع.

وهكذا، ففي اللسان ، وفي مادة ” سَرَد ” بوجه خاص، يطرح ابن منظور ما يلي:

” السْرد في اللغة، تقدمة شيء إلى شيء، تأتي به منسقا بعضه في أثر بعض متتابعا

و سرد الحديث ونحوه يسرده سردا إذا تابعه.

وفلان سرد الحديث سردا إذا كان جيد السياق له.

وفي صفة كلامه (ص) لم يكن يسرد الحديث سردا، أي يتابعه ويستعجل فيه

والسرد: التتابع

وسرد فلان الصوم إذا والاه وتابعه.

وقيل سردها: نسجها، وهو تداخل الحلق بعضها في بعض”.  .

والملاحظ، أن أول ما يثير الانتباه هنا، أن ابن منظور أعطى للفظة “سـَرد” معاني كثيرة، والتي هي على التوالي: الاتساق ـ التتابع ـ جودة السياق ـ النسج ـ الترابط.  ومن هذه الزاوية، فإن سـْردَ الحديث، يعني نسْجه، تتابُعه، ُموالاته، اتساقه، وجْودة سِياقه.

أما عندما نضع في الاعتبار أن “الحديث ” يأخذ معنى “الخبر” وأن هذا الأخير يأخذ معاني أخرى كثيرة، ک”الكلام” و” القصة ” وغيرهما.  ففي هذه الحال، يمكن لنا أن نعتبر أن: سَرَد الحديث، و سَرَد الخبر، و سرد القصة ، تحيل على المعنى نفس نفسه.

ومن هذه الزاوية كذلك، يصبح مبررًا، أن نقول ـ ولو بشكل مؤقت ـ اعتمادا على اللسان بطبيعة الحال، بأن السرد ليس إلا كيفيةً، أو طريقة، في تنفيذ الكلام. سواء أأعْطينا هذا الكلام مدلول الخبر، أو الحديث، أو القصة، أو ما شابه ذلك.

ولكن، من الأهمية بمكان، أن ننظر إلى ما خصَّ به صاحب اللسان لفظة أخرى، تأتي في كثير من المؤلفات القديمة والحديثة بمعنى ” سَرَد “. لعلنا نجد في ذلك ما يسعفنا على توسيع وإغناء ما خلصنا إليه أعلاه. ويتعلق الأمر تحديدا بلفظـة   ” قـصَّ ” التي طرح في شأنها ابن منظور في مادة ” قصص ” ما يلي:

قصَصْت الشيء إذا تتبعت أثره شيئا بعض شيء، ومنه قوله تعالى : ” وقالت لأخته قصيه ” أي اتبعي أثره …

والقصَّة : الخبر وهو القص .

وقص علي خبره يقصه قصًا وقصَصًا: أورده.

والقصص: الخبر المقصوص.

والقِصص ( بكسر القاف ): جمع القصة التي تكتب.

القص: القطع أو تتبع الأثر…

وتقصص الخبر: تتبعه.

والقصة:الأمر والحديث…

والقص: البيان….

والقاص: الذي يأتي بالقصة على وجهها كأنه يتتبع معانيها وألفاظها….

وقيل القاص يقص القصص لإتباعه خبرا بعد خبر وسوقه الكلام سوقا….. “.

وما يثير الانتباه هنا أيضا أن هذه اللفظة، من حيث معناها، تكاد تتطابق مع سابقتها،  لولا إحالتها على البيان والخبر المقصوص والقصة التي تُكتب.

والمثير للاهتمام ، أنه في حال أخذنا هذا الفارق في المعنى، إن صحت العبارة، قد يتوسع معنى السرد. ويمتد ليشمل البيان، والخبر المقصوص، والقصة التي تكتب.

غير أن إشكالا بسيطا قد يطرح نفسه، وبوجه خاص حين التسليم بأن “السرد” هو القصة التي تكتب. أو التسليم بأنه هو ” البيان ” بحصر المعنى. لمادا ؟ لأن هذا التسليم لا يصمد أمام واقع الحال، وذلك لاعتبارات؛ أهمها: أن ” السرد ” عامة ـ وحتى من وجهة نظر حديثة ـ ” يمكن أن تحتمله اللغة، شفوية كانت أم مكتوبة “.  هذا فضلا عن أن السرد العربي تحديدا، الأصل فيه الرواية والمشافهة، لا الكتابة. لأن هذه الأخيرة لم يشهدها السرد العربي القديم إلا في عصور متأخرة، كما يؤكد ذلك الدكتور عبد الله إبراهيم في قوله الموالي: ” ينتمي السرد العربي القديم إلى السرود الشفاهية ، فقد نشأ في ظل سيادة مطلقة للمشافهة ، ولم يقم التدوين ، الذي عرف في وقت لاحق لظهور المرويات السردية ، إلا بتثبيت آخر صورة بلغها المروي ، الأمر الذي يؤكد قضية تاريخية مهمة ، وهي أن المدونات السردية ، لا تمثل سوى المرحلة الأخيرة التي كان عليها المروي قبل تدوينه ” ،  وبهذا الاعتبار سيكون التسليم بحصر السرد في  القصة التي تكتب مجانبا للصواب.

أما البيان، فصحيح ليس هناك من مبرر لتجاهله، أو إلغائه ، لكونه يعتبر قوام أي كلام يتوخى مُرسله إفهامه لغيره. بصرف النظر عن جنسه أو نوعه. ولكن مع ذلك من الصعب اعتباره سردا بالمعنى أعلاه، اللهم إلا إذا كان ذلك على سبيل الاستعارة. لأن البيان، كما قال الجاحظ: ” اسم جامع لكل شيء كشف لك قناع المعنى “.  وهذا معناه، كما يقول الجاحظ أيضا ” فبأي شيء بلغت الإفهام، وأوضحت عن المعنى، فذاك هو البيان في ذلك الموضع “. وهو ما يعني لا يصح اعتبار البيان الكيفية أو الطريقة التي يتوسلها السارد لإنتاج الكلام السردي بما يتضمنه من أحداث، ووقائع، وشخوص، وأفضية، وما إلى ذلك. لأن هذه المكونات التي يقدمها السارد هي التي يتوكأ عليها لبلوغ الإفهام ولإيضاح المعنى وليست الطريقة أو الكيفية المعتمدة لإنتاج الكلام. وهذا معناه أن الكيفية أو الطريقة ليست هي التي تكشف المعنى، وإنما تنظم وترتب ما به ينكشف المعنى إن صحت العبارة. ومن هذه الوجهة لا يمكن إعطاء السرد معنى البيان. أما إعطاء السرد معنى الخبر المقصوص، فهذا أمر مختلف تماما عن سابقه. وفي نفس الوقت لا يحتاج إلى كبير عناء لفهمه والدفاع عن صحة وصواب قبوله. وبناء على ذلك، فمعنى السرد سيتعدى ما تمت الإشارة إليه أعلاه، إلى إعناء ما يُسرد بشكل عام. وفي الـ ” ما يسرد ” هذه إشارة أساسية إلى أن السرد ليس هو فقط كيفيات وطرائق إنتاج المحكي ، خبرا كان أم قصة أم حديثا أم … بل هو إلى جانب ذلك ، ما به يتجلى هذا المحكي . وهذا يقود إلى القول بأن السرد هو : الخطاب أو النص الذي يتجلى به المحكي   .

وفي نفس السياق ، تنبغي الإشارة إلى أمر أساسي، لا نستبعد أن يكون ابن منظور قد طرحه من حيث لا يدري، من خلال قوله الموالي: ” وقيل سردها أي نسجها “. أي جعل السرد والنسج بمعنى واحد. ثم شرح النسج وفق الموالي:

” نَسَجَ الكذَّابُ الزُّورَ: لَفَّقَه.

ونَسَجَ الشاعرُ الشِّعْر: نَظَمَه.”

” الشاعر  يَنْسِجُ الشِّعْر” و” الكذَّاب  يَنْسِجُ الزُّورَ”.

وفـي حديث لعلي بن أَبـي طالب: إِنْ هذا إِلا اختلاق، أَي كذب.

ويتضح من هذه الشروح: أن النسج يعني النظم، و التلفيق، و الاختلاق،

وهذا الأمر يمكن إجماله في إثارة انتباهنا إلى مسألة احتدم النقاش حولها في الثقافة العربية القديمة. وتلك هي: مسألة صدق السرد و كذبه

وعليه، فبما أن النسج  يعني النظم، والتلفيق ، والاختلاق ، فمن وجهة نظر العلاقات الرياضية ، تحديدا علاقة التعدية التي مفادها ، إذا كانت أ =  ب ـ وـ ب = ج ، فإن أ = ج ، يصح أن يعني السرد كذلك ـ إلى جانب المعاني السابقة ـ: النظم ، والتلفيق، والاختلاق . وبموجب ذلك ، فإن ” التلفيق ” و”الاختلاق” ـ كمعنيين جديدين للسرد ـ إذا استثمرناهما ، نصل لا محالة  إلى التسليم  بأن الكلام المسرود ، بما يمثله من وقائع وأفعال ، أو السرد بوجه عام ،  هو مجرد ضرب من أضرب التلفيق والاختلاق، وثمرة من ثمرات البراعة في النسج  والخيال. وهذا أمر لا خلاف فيه ، إلا أنه لا ينفي أن السرد  قد يكون له أيضا ، اتصال بكيفية ما بما حدث فعلا أو كان .

وخلاصة القول ، أن المعاني التي خص بها صاحب اللسان لفظة ” سَرد”  بالرغم من كثرتها ، إذا تأملناها مليا، نجدها تلتقي في الإحالة على الكيفيات والطرائق التي يتوسلها السارد لإنتاج المحكي بما يتضمنه  من أحداث ووقائع ، خيالية أو حقيقية ، وما يرتبط بها من شخوص وأفضية وغيرها . سواء أكانت هذه الكيفيات، والطرائق، تمثل مسلكيات خطابية يسير على نحوها السارد، أم تمثل صورا عينية ملموسة يتجلى بها المحكي، اصطلح على تسميتها خطابا أو نصا.

وإذ انتهينا إلى هذا الذي انتهينا إليه، لم يبق لنا الآن سوى أن ننتقل إلى استفهام واحد من أهم من اهتموا بالسرد في ثقافتنا العربية القديمة، لمعرفة فهمه لهذا الجانب من الجوانب الإبداعية التراثية. ويتعلق الأمر تحديدا بعبد الله بن المقفع.

لكن لمادا ابن المقفع بالذات ؟. في حقيقة الأمر ليس هناك سبب محدد قادني لاستفهام ابن المقفع سوى أنه واحد ممن استثمروا بلاغة القص المراوغة التي تسعف على الفضح والتحريض والتبشير وتمرير الإشارات في واحد من أهم المؤلفات السردية التي تزخر بها مكتبتنا العربية التراثية. ويتعلق الأمر بكليلة ودمنة، التي أثارت الانتباه إليها داخل وخارج الثقافة العربية.

وهكذا، وبخصوص ما يهمنا، نجتزئ من الأدب الصغير لابن المقفع قولته الموالية: ” فليعلم الواصفون المخبرون أن أحدهم ـ وإن أحسن وأبلغ ـ ليس زائدا على أن يكون كصاحب فصوص (ما يركب في الخاتم من الحجارة الكريمة ) وجد ياقوتا وزبرجدا ومرجانا، فنظمه قلائد وسموطا وأكاليل ووضع كل فص موضعه، وجمع إلى كل لون شبهه، مما يزيد ه بذلك حسنا، فسمي بذلك صائغا رفيقا “.

الكلام هنا كما هو واضح موجه للواصفين المخبرين، وهم الرواة أو القصاصون، كما يفهم من السياق. لكونهم يتولون وصف الأحداث والوقائع وتصويرها والإخبار عنها في الوقت الواحد. وفحواه، أي الكلام، أن أحدهم وإن أحسن وأبلغ، في ما تولى إنجازه، أي تصويره والإخبار عنه، لن يكون في آخر الأمر أكثر من صاحب فصوص ( صاحب الأحجار الكريمة ) وجد ياقوتا، وزبرجدا، ومرجانا ، فنظمه ، ووضع كل فص موضعه، وجمع إلى كل لون شبهه. وبما أن الأمر على هذا النحو، فهذا مفاده أن الذي يتولى مهمة الإخبار والوصف، لا مفر له من أن يتوسل إجراء مخصوصا، يعصمه من الخلل والعي، ويضمن لإنجازه الحسن والإجادة، كما يقول القدماء. ويتعلق الأمر هنا بتوسل النظم الذي يعتمد على الوضع المناسب للأشياء والجمع المحسوب لها. أو كما يقول عبد القاهر الجرجاني: [الذي]” يوجب اعتبار الأجزاء بعضها مع بعض حتى يكون لوضع كل حيث وضع علة تقتضي كونه هناك وحتى لو وضع في مكان غيره لم يصلح “.

ولكي تتضح الصورة أكثر، لابد من طرح السؤال الموالي:  ما الذي ينبغي أن يطاله هذا النظم المعتمد أساسا على الوضع المحسوب للأشياء والجمع المناسب لها في الإنجاز السردي ؟

قبل الإنصات إلى ابن المقفع لتحديد حدود هذا الإجراء، أو تحديد الجانب الذي ينبغي أن يطاله، استحضر إشارة دقيقة لابن طباطبا وردت في كتابه عيار الشعر، قد تساعدنا هي الأخرى في ذلك، وأقصد بشكل خاص قولته التالية: ” على الشاعر إذا اضطر إلى اقتصاص خبر في شعره دبره تدبيرا يسلُس له معه القول ويطَّرد فيه المعنى. فبنى شعره على وزن يحتمل أن يحشى بما يحتاج إلى اقتصاصه بزيادة من الكلام يخلط به، أو نقص يحذف منه. وتكون الزيادة والنقصان بسيرين غير مخدجين، (من الخِداج أي النقصان ) لما يستعان فيه بهما وتكون الألفاظ المزيدة غير خارجة من جنس ما يقتضيه، وزائدة في رونقه وحسنه “.

ليس ضروريا أن ندخل في تفاصيل ما قاله ابن طبا طبا، ولكن الضروري هو أن نلتقط منه ما يفيدنا في الإجابة عن السؤال الذي طرحناه، والذي أفضل أن أعيد صياغته وفق ما يلي:

هل هذا الإجراء، أقصد النظم بفهم ابن المقفع، (أو الضم والاتساق بلغة ابن منظور، والتدبير بلغة ابن طباطبا )، ينبغي أن يطال المادة السردية من حيث كونها خطابا يتولى السارد إرساله إلى مخاطب، أم المادة السردية من حيث كونها فحوى يحتويه هذا الخطاب ؟. أم اللغة باعتبارها المادة الحقيقية التي بها يتجلى هذا الخطاب ؟ في واقع الأمر إذا تأملنا الإشارات الواردة في قول ابن طباطبا يتأكد لنا بالملموس أن الإجراء المتحدث عنه ( أو التدبير بلغته ) من المفروض أن لا يستثني أي طرف من أطراف المعادلة المؤسسة للإنجاز السردي. إذ كما يفهم من قوله أن:

ـ اقتصاص خبر يتطلب تدبيره تدبيرا يسلس له معه القول ويطرد فيه المعنى.

ـ الزيادة والنقصان في الكلام رهينتان بما يحتاج إلى اقتصاصه.

ـ الألفاظ المزيدة ينبغي أن تكون من جنس ما يقتضيه الاقتصاص، وزائدة في رونقه وحسنه.

وهذا بالضبط ما يمكن استنتاجه من قولة ابن المقفع، فالإشارة إلى ” وضع كل فص موضعه، وجمع إلى كل لون شبهه ” فيما يبدو كافية لأن تؤكد ذلك، وبالتالي كافية لأن تلخص ما يمكن فهمه من إشارة ابن طباطبا .

وإذ خلصنا إلى هذا، تجدر الإشارة إلى أن ابن المقفع لم يقدم لنا بشكل مباشر فهما أو تصورا معينا للسرد، وإنما فقط وضح لنا الآليات التي تجعل الكلام سردا. أو على الأصح حدد لنا ما به يكون الكلام سردا.  وبصنيعه هذا يكون قد منحنا من حيث يشعر أو لا يشعر المفاتيح الأساسية التي باعتمادها يمكن أن نصل إلى ضبط هذا التصور وهذا الفهم ، والذي  هو فيما نزعم ، تصور وفهم الذين اهتموا بالسرد في الثقافة العربية القديمة بشكل عام . وهذا الفهم مؤداه ، أن السرد عند ابن المقفع ممارسة بلاغية بامتياز ، وبما هو كذلك يقتضي تصوير الأحداث والوقائع الحاصلة بالفعل ( الصدق ) أو بالقوة ( الاختلاق )، والإخبار عنها  وفق تدبير يسلُس معه القول ويطَّرد فيه المعنى ( البيان والتبيين) الأمر الذي يوجب وضع كل جزء موضعه وجمع كل لون إلى شبهه ( النظم والاتساق)  ، فيتمكن بذلك من تحقيق غايته المقصودة .

وخلاصة القول، أن فهم السرد بهذا المعنى الذي خلصنا إليه، يلتقي مع المعنى الذي تم استنتاجه من خلال تفحص واستقراء المعاني التي قدمها صاحب اللسان للفظة ” سرد ” ومرادفتها ” قص “. هذا فضلا عن كونه لا يخرج عن النوطة التي كتبها الذين طرحوا مسألة اللفظ والمعنى أو مسألة النظم في الثقافة العربية القديمة ، كصاحب البخلاء وصاحب رسالة الغفران والإمتاع والمؤانسة ، وغيرهم كثير، مما يعني أنه ، أي السرد التراثي ، الذي هو مجموع الخطابات أو النصوص الحكائية التي انحدرت إلينا من الماضي . سواء اتخذت شكل خبر، أو حديث، أو مقامة، أو مهاترة، أو مسامرة، أو خرافة ـ المهم أن يكون هناك حدث أوعدة أحداث، وشخص، أو عدة شخوص يتولون القيام بهذه الأحداث في فضاءات زمانية ومكانية معينة ـ  لم يكن يشكل نشازا داخل النص الثقافي العربي العام في العصور العربية القديمة .

  • المراجع المعتمدة :
  1. رولان بارت، التحليل البنيوي للسرد، ترجمة: حسن بحراري، بشير قمري، عبد الحميد عقار. آفاق، العدد 8 ـ 9 . 1988
  2. ابن منظور: لسان العرب
  3. الدكتور محمد القاضي : الخبر في الأدب العربي، دراسة في السردية العربية ، دار الغرب الإسلامي ، ط1 ،1998
  4. الدكتور عبد الله إبراهيم: السردية العربية ، بحث في البنية السردية للموروث الحكائي العربي ،المركز الثقافي العربي ،ط1 ،1992
  5. أبو عثمان عمرو بن بحر: البيان والتبيين ، تحقيق فوزي عطوي ، دار صعب ، بيروت ، 1968 ،
  6. عبد الفتاح كليطو ،السرد والأنساق الثقافية ، ترجمة عبد الكبير الشرقاوي ،دار توبقال للنشر، البيضاء ، ط1 ،1993
  7. عبد الفتاح كليطو : الأدب والغرابة :
  8. عبد الله بن المقفع : الأدب الصغير ، المجموعة الكاملة لمؤلفات عبد الله بن المقفع ،دار التوفيق للطباعة والنشر والتوزيع ، بيروت، ط1
  9. الدكتور إحسان عباس : تاريخ النقد الأدبي عند العرب ، بيروت دار الأمانة، ط 1
  10. عبد القاهر الجرجاني: دلائل الإعجاز، تصحيح وتعليق السيد محمد رشيد رضا، دار المعرفة، لبنان، ط ؟
  11. محمد بن أحمد بن طباطبا العلوي: عيار الشعر، شرح وتحقيق عباس عبد الستار، دار الكتب العلمية، بيروت ، لبنان ط1 ،1982
  12. تودوروف : مجلة تواصل 8 ، 1966.

 

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *